أدب وثقافةأهم الأخباراخترنا لكمنوعات

“الغميضة ” قصة قصيرة بقلم الدكتور احمد حسن جمعة

كتب د/ أحمد حسن جمعة

ثلاثون عاما إلي الوراء أو ربما أكثر ,طفلا صغيرا بالمدينة الساحلية كنتُ ,ألعب مع رفيقتي ,جارتي الصغيرة العذبة,بمدخل البيت الصغير المطل علي الشارع المطل علي البحر. نتبادل الأدوار: تضع الصغيرة يدها على الحائط ثم تضع جبهتها على يدها مغمضة عينيها ومعطية ظهرها للكون الكبير.

تبدأ في العدِّ (عشرة..عشرون …ثلاثون ….) تنتهي من العد , تلتف لتجدني أحدق في عينيها السوداوين الأوسع من ليل الصحراء وفي ضفيرتها الصغيرة: (ألم تختبئ بعد …سأعد ثانية ).

تمسح راحتي يديها المتسختين من لون الحائط علي ملابسها وصدرها الذي يقبع خلف ضلوعه قلب لم يدنسه سواد الأيام .تلتف ثانية لتعد… أجري لأختبئ… أتعمد الوقوف في مكان قريب أرقبها, أري الجمال متداخلا تداخل خصلات شعرها المتشابكة.

هي أيضا كان تلتف لتراني أرقبها فتبتسم وتشيح بناظريها بعيدا حتي نعيد الكرَّة وتظل تبحث عني .تدور الكرة وأرقب الصغيرة تكبر وشعرها يطول خاصرتها بينما لاتزال بناظري الطفلة الصغيرة ذات الضفائر .تكبر وتكبر ولا تكف عن البحث عني ولا أكف عن الاختباء المقنع ساعة بالعمل, بالتجنيد, أوبالدراسة.

في كل مرة تبدأ العد وتلتف أفاجئها بأني أقف بظهرها.

كانت ضفائرها أحبال البئر وكنت أنا يوسف المرمي المنسي بقعر الجب. في آخر المرات بدأت تتأفف من الغياب وتمط شفتيها في ضجر غير آبهة بأي مبرر.

في هذه المرة أعود حيث تقف لأجدها ضجرة جدا متحدثة إليّ بحدة لم أعهدها كل هذا لم يكن غريبا ولكن الغريب أني أنظر إليها وقد قصت شعرها حتي شحمتي أذنيها.. تعايرني بالإختباء, بالإنتظار, وأنها كل مرة هي من تفتش عني تطلب أن تكون الكرة عندي هذه المرة ,أعطي وجهي للحائط وأضع راحتي يدي أمام جبتهتي وأدندن…

كانت الريح تعوي خلف نافذتي

فتهمسين تمسك

ها هنا شعري

والآن أجلس والأمطار تجلدني

علي ذراعي, علي وجهي, علي ظهري

فمن يدافع عني.

وعندما انتهيت, تلفت أبحث عنها لكنها لم تكن .. توقف كل شئ .. توقف الزمن كساعة رملية ترقد على جنبها ..أكرر العد مرة أخرى ثم ألتفت لأجد كل شئ تغير إلاي.. ذلك البيت القديم أعلي الشارع تمت إزالته.. الطريق يرصف للمرة السادسة.. يشيع الساعاتي الكهل صاحب المحل بناصية الشارع إلي مثواه, بينما أنا أتابع العد وفي كل مره ألتف لا أجدها.

والآن أقف خلف زجاج نافذتي.. ضرب الشيب رأسي.. أرتدي بالطو شتويا ثقيلا.. أحتسي قهوتي.. تتقلب زوجتي في الفراش.. تتحسس موضعي الخالي.. بينما أنفاسي ترسم سحابا ثقيلا علي الزجاج.. أرقب الشارع, المارة, العربات يرسم دخان عادمها ضبابا يفترش الطريق وترسم إطاراتها سرابا ما يلبث المطر أن يمحوه.. أري طفلين صغيرين ولدا وبنتا يلعبان الغميضة في مدخل البيت المقابل في هذا الجو الشتوي.. تبدء الطفلة بالعد في كل مرة وتغمض عينيها ليختبئ وعندما جاء عليه الدور أن يغمض عينيه تسارعت أنفاسي لتصنع علي الزجاج دموعا خفيفة تساقطت علي أطارف ثيابي.. تحجرت في مكاني صارخا :أرجوك يا صغيري لاتفعل.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق