أدب وثقافةأهم الأخباراخترنا لك

فيروس كورونا القديم …بقلم الدكتور أحمد حسن

قصة قصيرة بقلم الدكتور احمد حسن جمعه

اليوم عاد والدي من العمرة، عشرون يوما قضاها بعيدا عن المنزل، أطول مدة يغيبها عن البيت. أخبرني إخوتي بأنها ليست الاطول وأنه إعتاد الغياب كثيرا في شبابه بدافع العمل، يرحل إلي القاهرة ليعود بعد شهور جالبا لإخوتي فساتينا حريرية جاهزة وقد إعتاد كل من في القرية تفصيلها من قماش الكاستور.
كانت حقيبة والدي السوداء هي صندوق الدنيا تتلقفها أعيننا ونحن نحتضنه يملؤنا الشغف ماذا أحضر هذه المرة؟.
أتذكر تلك الثمرة الغريبة الأشبه بالحجارة الصماء الصلعاء يضعها على النار تطقطق ثم تنفلق قشرتها ليظهر لبها الشهي حتي إسمها كان غريبا علي غير مسمي(أبو فروة).
في كل مرة يدخل إلي غرفته تغلق والدتي الباب من الخارج لينام كثيرا، تصرخ فينا إذا صدر صوت لأحد منا نمشي علي أطارف اصابعنا كراقصي الباليه وكأنه لم ينم طوال رحلته تلك.
لم أنم تلك الليلة منتظرا والدي حالما بما يحمله من بلاد ما وراء البحر منتظرا أقاصيصه عن السفر والبحر وأناس يتحدثون بلغات لا نفهمها، كل ما في البيت تجهز للقائه حتي حوائط المنزل من الخارج. أحضرت والدتي من يعيد طلائها ويرسم عليها باخرة ويكتب بخطوط كوفية أنه في يوم كذا وكذا قد أتم والدي العمرة، يرسم كعبة وأناسا بلحي طويلة يطوفون حولها، علي الأغلب كنت سأرسم أفضل منه لو كنت في مثل طوله ولدي فرشة وأدوات مثله.
هذه المرة لم تكن حقيبة والدي السوداء هي الوحيدة بل كانت حقائب كثيرة وقارورات كبيرة مملوءة بماء زمزم. كانت الحقائب مليئة بأشياء شبيهتها في بلدنا لكنها غير غير، لا أنسي تلك التفاحات الكبيرة الحمراء، رائحة البخور، حتي طعم التمور والتي تشتهر بها بلدتنا كانت غير، ذلك المجلد البلاستيكي الكبير يحتوي علي شرائط كاسيت قرءانا بصوت الشيخين السديس والشريم، جهاز الكاسيت الباناسونيك المشغل لتلك الشرائط.
كان الأجمل من هذا كله أقاصيص والدي التي انتظرتها، عن دوار البحر لرجل صحراوي يركب البحر لأول مرة ولم ير الماء قبل قط في غير صنابير المياة، عن الترحال، عن الرهبة التي حدثت له وجعلته يبكي كطفل صغير عندما لامست أقدامه بلاط المسجد الحرام وسري بردها في جسده بينما ينظر إلي ذلك المكعب الأسود الكبير وكأنه يراه لأول مرة، لم يكن يعتقد أن يكون بهذا الحجم، عن أصحاب الوجوه الصغيرة والعيون الضيقة، استوقفه أحدهم يسأله عن شئ بالمصحف، حدق أبي كثيرا إلي الرجل وهز رأسه وهوا الذي لم يتعلم القراءة يوما عانقه الرجل ومضي.
لم ينس والدي أم زوجته(جدتي) العمياء لخمسين عاما مضت بعد ولادة أصغر اخوالي، أحضر لها شالا أسودا حريرا وضعه علي أكتافها تحسسته كانها تراه ودعت له كثيرا قبل أن تشدو بأهازيج قديمة للحج والحجيج.
يصاب والدي بالبرد، اوعز ذلك إلي تقلبات الجو وبرد ليل البحر والعبارات، بالمطر في وسط البحر، بالعرق الشديد عند السعي والطواف. رقد في البيت لأربعة ليال يهذو من الحمي ويلهث من السعال، عندما علمت جدتي بكت كثيرا بعينين لا سواد فيها وقالت أنها لم يكن لها أن تموت قبل أن تراه وهي التي لا تري، أصابها نفس البرد والحمى والسعال، لم يقاوم جسدها النحيل فأسلمت روحها لخالقها قبل أن يبرء والدي ويشفي تماما.
لا أدري تذكرت ذلك كله وأنا أجلس أمام التلفاز أشاهد الأخبار تنقل عن فيروس كورونا، عن منع رحلات العمرة، عن السوار المحيط بالكعبة القبلة، عن غياب صوت السديس والشريم، قلت فيما قلت أنه ربما والدي كان مصابا بفيروس كذلك وشفي منه، كان الفيروس ولا يزال كما هو بينما نحن لم نعد كما كنا.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق